محمد عبد الله دراز

254

دستور الأخلاق في القرآن

والصّالحين منهم ، ولنستمع إلى قوله اللّه تبارك وتعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً « 1 » ، وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » ، وقوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ « 3 » ، ولا ريب أنّ المقصود في هذه النّصوص هو المسؤولية أمام اللّه ، في يوم الفصل الأخير . ولكن لننظر في الآيات الآتية المكان الّذي خصّ به القرآن المسؤولية الأخلاقية ، وكيف أنّه ، حتّى في هذه اللحظة الحاسمة ، يقدم محكمة الضّمير ، كيما يعد الحكم الأعلى ، ويسوغه ، يقول اللّه سبحانه : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً « 4 » ، ويقول : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ « 5 » ، وقال تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ « 6 » . هذه الشّمولية من ناحية الفرد تتضاعف من ناحية أخرى ، ناحية الموضوع ، ففي تلك اللحظة ، سوف تحضر جميع الأعمال الّتي حدثت ، في الحياة الدّنيا ، في أذهان أصحابها : وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا

--> ( 1 ) مريم : 93 . ( 2 ) الحجر : 92 - 93 . ( 3 ) الأعراف : 6 . ( 4 ) الإسراء : 14 - 15 . ( 5 ) التّكوير : 14 . ( 6 ) الانفطار : 5 .